إيطاليا لن تبقى «واحة حرّية الإنترنت» للمراهقين
د. خالد العزّي
Wednesday, 08-Jul-2026 07:08

أصبحت إيطاليا في الأسابيع الأخيرة محوراً جديداً في النقاش الأوروبي والدولي حول تنظيم استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، وسط موجة تشريعات متسارعة تستهدف تقنين وجود القاصرين في الفضاء الرقمي. ففي 17 حزيران، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أنّ حكومتها لن تبادر إلى صياغة تشريع فوري لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لِمَن هم دون سن 16 عاماً، معتبرةً أنّ مثل هذه الإجراءات غير فعّالة.

لكنّ هذا الموقف لا يعني أنّ الباب قد أُغلق نهائياً، إذ لا يزال البرلمان قادراً على المضي في إقرار قانون مماثل، ما يجعل مستقبل التشريع مفتوحاً على احتمالات متعدِّدة.

وعلى رغم من الحديث عن «مرونة» إيطالية مقارنةً بدول أخرى، فإنّ المراهقين لم يخرجوا من دائرة القلق أو الترقب، إذ لا يزال مشروع القانون قيد النقاش داخل مجلس الشيوخ، بعد أن قُدِّم في تشرين الأول 2025، فيما يطالب وزير التعليم الإيطالي جوزيبي فالديتارا بالإسراع في إقراره، مشيراً إلى أنّ التأجيل لم يعُد ممكناً.

 

بانتظار القوانين الجديدة في إيطاليا

وهكذا، لم يتحوَّل المشهد الإيطالي إلى «واحة حرّية» كما قد يوحي العنوان، بل إلى ساحة انتظار مفتوحة على احتمالات متناقضة: بين مَن يرى في الحظر حماية ضرورية، ومَن يعتبره خطوة رمزية يسهل الالتفاف عليها.

 

خارج إيطاليا، كانت الموجة قد بدأت بالفعل بالتمدُّد. دول مثل أستراليا، إندونيسيا، البرازيل، ماليزيا، والإمارات العربية المتحدة، بدأت بالفعل تطبيق قيود متفاوتة على استخدام القاصرين لمنصات التواصل.

بعض هذه الدول ذهب إلى أنظمة تحقق صارمة تعتمد على الصور والوثائق، فتُحذَف حسابات مَن هم دون السن القانونية، وتُفرَض غرامات على الشركات التي لا تلتزم.

 

الدول العالمية تتّجه إلى تبنّي قوانين صارمة

في هذه الدول، طُبقت آليات للتحقّق من العمر عبر صور الوجه والوثائق الرسمية، مع حذف حسابات المستخدمين القاصرين. كما فُرِضَت غرامات على شركات التكنولوجيا غير الملتزمة بهذه القوانين، مع وجود هيئات رقابية خاصة للإشراف على التنفيذ، مثل مفوَّض سلامة الإنترنت في أستراليا.

 

وفي البرازيل، ذهبت الإجراءات إلى مدى أبعد، إذ يُلزم القانون بربط حسابات الأطفال دون سن 16 عاماً بحساب أحد الوالدَين أو الوصي، بالإضافة إلى حظر الإعلانات الموجَّهة للأطفال والمراهقين. كما قد تصل العقوبات إلى غرامات ضخمة قد تبلغ 10 ملايين دولار، أو حتى تعليق النشاط أو الحظر الكامل في حال المخالفة.

 

أمثلة على دول تطبّق القوانين

أمّا في الإمارات العربية المتحدة، فقد حُدِّد سن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بـ15 عاماً، مع منح الشركات مهلة زمنية لحذف الحسابات الخاصة بالقاصرين والمحتوى الذي ينتجونه، إلى جانب فرض آليات للتحقق من العمر.

 

لكنّ التجربة العملية في هذه الدول أظهرت سريعاً أنّ الحظر لا يحلّ المشكلة بشكل كامل. ففي أستراليا، ومنذ اليوم الأول لتطبيق الإجراءات، ظهرت تقارير تشير إلى سهولة التحايل على أنظمة التحقق من العمر، سواء عبر استخدام صور الأصدقاء الأكبر سناً أو أفراد العائلة، أو نتيجة تعطُّل بعض أنظمة التعرُّف على السن التي قد تُخطئ وتتعامل مع الأطفال كأنّهم بالغون.

 

وتحذِّر شركات التكنولوجيا ومعارضو هذه القوانين من أنّ الحظر قد يؤدّي إلى نتيجة عكسية، عبر عزل المراهقين عن المجتمعات الرقمية وتقييد وصولهم إلى المعلومات، ما قد يدفعهم إلى استخدام منصات غير خاضعة للرقابة وأكثر خطورة، ويجعلهم عرضة للاستغلال من قِبل المحتالين أو المتحرّشين.

وفي المقابل، يرى مؤيّدو القيود، أنّ حماية الأطفال تتطلّب تدخُّلاً تنظيمياً واضحاً، لكنّ الجدل لا يزال قائماً حول فعالية المنع وحده.

 

كما أشار بعض المراقبين إلى أنّ المسؤولية لا تقع على القوانين فقط، بل أيضاً على طبيعة عمل شركات التكنولوجيا نفسها، التي طوَّرت عبر السنوات أدوات تزيد من ارتباط المستخدمين بالتطبيقات، مثل «الموجزات اللانهائية» التي تجعل التوقف عن الاستخدام صعباً من الناحية النفسية.

 

وبينما تتّجه بعض الدول نحو تشديد القيود، تبقى إيطاليا في موقع انتظاري، مع تركيز الحكومة على أنّ الحظر وحده لا يكفي، وأنّه سهل الالتفاف عليه، ما يجعل فعاليّته محدودة، في وقت تتصاعد فيه الضغوط داخل البرلمان لدفع التشريع نحو الإقرار.

 

في النهاية، إيطاليا تتّجه إلى قوانين صارمة سيقرّها البرلمان للسير بها والعمل على تطبيقها، أسوةً بالدول الأخرى التي بادرت إلى إجراء هذه التطبيقات على الشركات التكنولوجية ومراقبة الحذر على المراهقين، حفاظاً على الأجيال الناشئة. لأنّ خطر التكنولوجيا بات يفرض نفسه على الدول والمجتمعات.

الأكثر قراءة